يحيي بن حمزة العلوي اليمني

107

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ [ الأعراف : 33 ] إن المعنى فيها ما حرم ربى إلا الفواحش ، وقد رأيت ما يدل على ذلك ويؤذن بصحته ، كقول الفرزدق « 1 » : أنا الذّائد الحامي الذّمار وإنما * يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي فانفصال الضمير دال على ذلك ، كما لو قال ما يدافع عنهم إلا أنا أو مثلي ، وقال أبو إسحاق الزجاج والذي أختاره في قوله تعالى : إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ [ البقرة : 173 ] أنه في معنى ما حرم عليكم إلا الميتة ؛ لأن « إنما » إنما تأتى إثباتا لما يذكر بعدها ، ونفيا لما سواه ، قال الشيخ عبد القاهر لم يعنوا بذلك أنهما يكونان بمنزلة المترادفين ؛ لأنه ربما يصلح أحدهما حيث لا يصلح الآخر ، لهذا فإنك تقول : ما من إله إلا الله ، وما أحد إلّا يقول ذاك ، فما هذا حاله يصلح فيه « ما » و « إلا » ولا يصلح فيه « إنما » وتقول إنما هو درهم لا دينار ، فيصلح فيه « إنما » ولا تقول : ما هو إلا درهم لا دينار . دقيقة اعلم أن « إنما » الأصل في وضعها أن تكون لما لا يجهله المخاطب أو ما ينزل منزلته ، فأما الأول فمثاله قوله تعالى : إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ [ هود : 12 ] وقوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ [ الرعد : 7 ] و إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ [ طه : 98 ] و إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها ( 45 ) [ النازعات : 45 ] وقوله تعالى : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [ فاطر : 28 ] إلى غير ذلك مما يتضح الأمر فيه ويكون ظاهرا ، وأما مثال الثاني فقولك : إنما هو أخوك ، وإنما هو صاحبك القديم ، فتذكر هذا لمن يعترف بحقه ويقرّ به ، غير أنك تريد أن تنبيه إلى ما يجب من حق الأخوة وحرمة الصحبة ، قال الشاعر « 2 » : إنما مصعب شهاب من الله * تجلّت عن وجهه الظلماء وتقول : إنما هو أسد وسيف صارم ، أي أن هذه الصفات ثابتة لازمة له .

--> ( 1 ) البيت للفرزدق ، وهو في ديوانه 2 / 153 ، والمصباح ص 96 ، ومعاهد التنصيص 1 / 260 ، ولسان العرب ( قلا ) ، ولأمية بن أبي الصلت في ديوانه / 48 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 2 / 111 ، لسان العرب ( أنن ) ، وتاج العروس ( ما ) ، وهو للفرزدق في الإيضاح ص 126 بتحقيقنا . ( 2 ) البيت لابن قيس الرقيات ، وهو في المصباح ص 98 ، والإيضاح ص 129 بتحقيقنا ، ودلائل الإعجاز / 331 ، وشرح المرشدى على عقود الجمان 1 / 144 .